الشيخ محمد الكسنزاني الحسيني
368
موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه أهل التصوف والعرفان
ما أمرهما الله به وهذا دليلٌ على تجسد الملائكة بهيئة البشر . وقال تعالى : وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ « 1 » . وأما في الأحاديث النبوية الشريفة فنذكر منها : ثبت في الصحاح أن جبريل عليه السلام كان يأتي إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كهيئة رجل يجلس مع النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ويتحدث معه وكان يتخذ صورة دحية الكلبي أحياناً ، وقد ورد أن جبريل عليه السلام جاءه في المسجد وهو على هيئة أعرابي ، فسأل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عن أركان الدين الثلاثة وعن الساعة وأمارتهِا ، فلما خرج قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم : ردوه فلما خرجوا إليه لم يجدوا له أثراً ، فقال صلى الله تعالى عليه وسلم : هذا جبريل جاءكم يعلمكم دينكم « 2 » . وبهذه الكيفية تجسد النور الإلهي وظهر في هيئة الرسول الأعظم صلى الله تعالى عليه وسلم ، فكانت هيئته الظاهرة الهيكلية أم الكمالات الحسية الوجودية ، وهيئته المعنوية الروحية أم الكمالات المعنوية الوجودية ، فكل كمالٍ تشهده المحسوسات فهو من فيض صورته الظاهرة ، وكل كمالٍ تعقلُهُ من المعنويات فهو من فيض معانيه الباطنة صلى الله تعالى عليه وسلم . ولندع الشيخ الأكبر ابن عربي قدس الله سره يشرح أسرار هذا التجسد والحكمة الإلهية منه بلغته الربانية الخاصة في تفسيره الإشاري لقوله تعالى : أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ « 3 » : « فشبه الله تعالى حبيبه محمداً صلى الله تعالى عليه وسلم بالماء النازل من السماء بقدرٍ ، لأن الماء حياة كل شيء ، وكذلك كان نوره صلى الله تعالى عليه وسلم حياة كل قلب ووجوده
--> ( 1 ) - الأنعام : 9 . ( 2 ) - مسند أحمد ج 1 ص 27 . ( 3 ) - الرعد : 17 .